همسة من همسات شبابنا المسلم .. قد تصنع فرقا .. لنا .. وللأجيال القادمة .. !!


    السفراء والسفارة عند العرب قبل الإسلام

    شاطر
    avatar
    HAYFA



    الجنس : انثى
    همساتي : 282
    نقاط النشاط : 28791
    تاريخ التسجيل : 26/12/2009


    default السفراء والسفارة عند العرب قبل الإسلام

    مُساهمة من طرف HAYFA في الأربعاء يناير 13, 2010 12:57 am




    السفارة لغة: السعي في الصلح بين القوم، والسفير: الرسول، والمصلح ، وسفر بينهم سفارة وسَفارة: أصلح ، وفي حديث علي

    بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال لعثمان بن عفان رضي الله عنه:
    إن الناس استسفروني بينك وبينهم ، فالسفير من يسعى في الصلح بين الأقوام، ومن يسافر في حوائج قومه، وكل رسول سفير.
    ولعل لطبيعة المرحلة الرعوية التي عاشها عرب الجاهلية فوق أرض بائسة أثراً هاماً في نشوء السفارة وعلو مقامها، حيث اتسمت حياتهم بالفوضى والاضطراب والاحتراب، ولا سيما في القرن الذي سبق ظهور الإسلام، ولم يكن للعرب خيار في التغور والاقتتال، فقد تضافرت عوامل طبيعية ومعاشية فضلاً عن غياب الشعور القومي الجامع، وسيادة العصبية القبلية، لتدفع بالحرب على أرض العرب، وتدفع بالعرب على شفا هوة، فكثرت الأيام والوقائع ، واستحكم الضعف في القبائل، وتشتت الألفة، وتباينت الأهواء.


    وقد اقتضت تلك الحياة الصاخبة أن ينشط السفراء، وأن تتنوع مجالات سعيهم، فكثرت السفارات، وكان للسفراء أثر هام في حياة الجزيرة العربية.

    فضل السفارة والسفير:


    تتطلب السفارة دراية وحنكة وحكمة، لعلو المطلب وخطورة النتائج، ولقد عرفت العرب فضلها وعلو مقامها لما تحقق من الغايات التي تعجز عن تحقيقها أزجة الرماح , وتصلح في كثير من الأحايين ما أفسدته الحروب والغارات، يقول جرير:
    ستعلم ما يغني حكيم ومنقع .... إذا الحرب لم يرجع سفيرها


    وقد وجب على السفير أن يكون حليماً حكيماً، منكراً داهياً، خراجاً ولاّجاً، صحيح الفطرة، بصيراً بمخارج الكلام وأجوبته،

    يقول عمر بن أبي ربيعة:

    فبعثنا طبَّة محتالة.... ................ تمزج الجد مراراً باللعب
    ترفع الصوت إذا لانت لها...... وتراخى عند سورات الغضب


    تلك سفيرة هوى، فما حال سفير قوم
    ، يرعى مصالح قومه، أو يدفع شر خصمه، أو يقف بين يدي ملك جبار، تتنازعه الرغبة والرهبة، فيوطد لقومه في حيطة وحذر, إنه لا بد أن يجمع الفطانة والفصاحة، فيتخير الكلام، ويستعذب الألفاظ ، حتى يطفئ جمرة الغيظ، ويسل دفائن الحقد.
    ولقد كان سفير العرب هو المقدم في عشيرته، وعميدها الذي من قوته تنزع، أو حكيمها الذي عن رأيه تصدر، أو شاعرها الذي

    عن لسانها يعرب ، ولبعد همة السفراء وعلو قدرهم فخرت العرب بهم،
    يقول المثقب العبدي:

    أبي أصلح الحيين بكراً وتغلباً .... وقد أرعشت بكر وخفت حلومها
    وقام بصلح بين عوف وعامر....... وخطة فصل ما يعاب زعيمها


    معاملة السفراء:

    ليتمكن السفراء من إطفاء النائرة، وإحلال السلم، كان لا بد من حصانة يتمتعون بها،
    وحماية متعارف عليها بين القبائل، تمكنهم من الوفود آمنين مطمئنين ؛ لذا فقد أكرمت العرب السفراء , وأحسنت معاملتهم، ووفرت لهم الحماية والأمن، وقد قدم في يوم ذي قار النعمان بن زرعة التغلبي على بكر رسولاً من كسرى، يخيرهم خلالاً ثلاثاً:
    أن يسلموا حلقة النعمان، أو يرتدوا إلى الصحراء، أو يأذنوا بحرب ، وكان لهم في الأولى الدنية، وفي الثانية المنية عطشاً، فلم يكن من هانئ بن قبيصة سيد بكر إلا أن قال له:

    لولا أنك رسول ما أبت إلى قومك سالماً

    وبعث مسيلمة بن حبيب الحنفي الكذاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم رسولين يحملان كتاباً، يقول فيه:
    "من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. سلام عليك، فإني قد أشركت في الأمر معك، وأن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشاً قوم يعتدون".

    فلما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم الكتاب، قال للرسولين: فما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال مسيلمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أما والله لولا أن الرسل لا تُقتل لضربت أعناقكما"

    أغراض السفارة:

    1-تعزيز القبيلة:

    سعى السفراء في عزة قبائلهم ومنعتها، فساروا يوثقون المواثيق، ويشدون الأحلاف، ولا سيما عندما تشتد عليهم الخطوب، وتغلب عليهم الخصوم ، ووقف الشعراء السفراء بين يدي الملوك في الحكومات، يبينون ما يراه قومهم حقاً، ويدفعون ما يرونه جوراً من خصمهم وتعدياً، ولقد كان الحارث بن حلِّزة الشاعر سفير بكر إلى ابن هند الملك اللخمي، في خصومتها مع تغلب للدفاع عن حياة مائة رهينة من بكر، كانت في يد عمرو بن هند، فأنشد ابن هند معلقته:

    آذنتنا بينها أسماء ... رب ثاو يملُّ منه الثواء


    رفع فيها الحارث صوت العقل، ودفع عن قومه الشر والتجني، فحكم عمرو بن هند أنه لا يلزم بكر بن وائل ما حدث لرهائن تغلب، ودفع رهائن بكر إلى الحارث.

    ولم يقصر السفراء سعيهم خارج قبائلهم أو بطون عشائرهم، دعاة صلح، أو سعاة حلف،
    بل سعوا في قومهم الأدنيين، يقيمون ميلهم، ويزجرونهم عن الغدر والظلم، ويدعونهم إلى الوفاء بالعهد والعقد، ويسعون في رشدهم عندما تضل حلومهم، وتطيش سهامهم،
    ولقد عرف نابغة بني ذبيان بالحزم ورجاحة العقل وصدق النظر، مما جعل منه ناصحاً مرشداً لقبيلته، فضلاً عن كونه
    سفيرها وشفيعها عند الغساسنة، وقد تمكن بحسن سياسته ومهارته من انتزاع قومه من معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل،
    وجنبهم الغدر بالحلفاء والوقوع في مصائد الأعداء، وقد قتلت بنو عبس نضلة الأسدي، فقتلت بنو أسد رجلين من عبس فأراد عُيينة بن حصن سيد ذبيان أن يخرج حلفاءه من بني أسد من ذبيان، ويعاون عبساً عليهم، واندفع في هذا الأمر بحماسة وطيش شأن فتيان الحرب، فشق ذلك على النابغة، وأدرك بنفاذ بصيرته وتجربته أن هذا الأمر سيجلب الشر والضر على ذبيان، وأنه ليس من حسن السياسة أن يقطع قومه حلفهم، بعد كل البلاء الذي أبلته أسد في الدفاع عنهم
    فخاطب عُيينة، وقال:

    ألكني يا عيُين إليك قولاً ... سأبديه إليك، إليك عني
    أتخذل ناصري، وتعز عبساً ... أيربوع بن غيظ للمعن
    إذا حاولت في أسد فجوراً... فإني لست منك ولست مني
    ولو أني أطيعك في أمور.... عضضت أناملي وقرعت سني


    وكان المتلمس الضبعي رسول الثورة في قومه، فقد أفنى حياته وهو يسعى في ثورة بكر على الطغيان اللخمي، ويدعو بحرقة ومرارة للتمرد على الضيم:

    يا آل بكرٍ: ألا لله أُمُّكم... ............... طال الثواء وثوب العجز ملبوس
    أغنيت شأني، فأغنوا اليوم شأنكم.... واستحمقوا في مرأس الحرب أو كيسوا
    وفي قصيدة أخرى أرسلها الشاعر المنفي في الشام إلى قومه في العراق، يقول:
    إن الهوان حمار القوم يعرفه.......... والحر ينكره والرسلة الأجد
    ولن يقيم على خسف يسام به......... إلا الأذلان: عير الأهل والوتد.


    2-الفداء وفك الأسراء:

    وركبت سفراء القبائل ووجوهها على سادة القبائل وملوك المناذرة والغساسنة يسعون في فداء أساراهم وسباياهم: ولأن الخصاصة والحاجة قد دفعت القبائل إلى التغاور , فقد كان المال وسيلة لافتداء الأسرى، وقد وفد لقيط بن زرارة التميمي على بني عامر في فداء أخيه معبد، فأغلوا فداءه، فتركه في قيد الأسر ورجع إلى قومه، فقال شريح بن الأحوص العامري أبياتاً في لقيط، منها:

    لقيط وأنت امرؤ ماجد......... ولكن حلمك لا يهتدي
    رفعت برجليك فوق الفرا...... ش تهدي القصائد في معبد
    وأسلمته عند جد القتال..... وتبخل بالمال أن تقتدي


    وقد عرفت العرب بفصاحتها وسحر بيانها؛ لذا فقد فعل الحديث الساحر والكلم الطيب في نفوسهم فعل السحر، وقد حدَّث متمم بن نويرة عمر بن الخطاب، فقال: "أسرتني بنو تغلب في الجاهلية، فبلغ ذلك أخي مالكاً، فجاء ليفديني، فلما رآه القوم، أعجبهم جماله، وحدثهم فأعجبهم حديثه فأطلقوني له بغير فداء"
    ولأن العربي أحب المديح وخشي الهجاء فقد اتخذ الشعراء السفراء من المديح طريقاً لفك الأسراء من ذل الأسر وقيوده , وإطلاق السبايا من عار السبي وشكوله، وقد سفر المثقب العبدي على الملك اللخمي عمرو بن هند في أسراء قومه وسبيهم فقال:

    فأنعم أبيت اللعن أنك أصبحت ...... لديك لكيز كهلها ووليدها
    وأطلقهم تمشي النساء خلالهم............. . مفككة وسط الرحال قيودها


    وسفر علقمة بن عبدة التميمي الشاعر على الحارث الأعرج الغساني في أخيه شأس وتسعين أسيراً من تميم،
    وقعوا في الأسر يوم حليمة، فأنشد الحارث بائيته السائرة:

    طحا بك قلب في الحسان طروب............. بُعيد الشباب عصر حان مشيب
    وفي كل حي قد خبطت بنعمة ........... .فحق لشأس من نداك ذنوب
    فلا تحرمني نائلاً عن جنابة ............ ..فإن امرؤ وسط القباب غريب


    فأطلق له الحارث شأساً وأسرى تميم، وكساهم، وحباهم، وزودهم زاداً كثيراً ولنابغة بني ذبيان وحاتم طيء وأعشى بكر وغيرهم سفارات كثيرة.

    وسعت سادة الأقوام في أسرى جيرانها ومالهم، وقد ركب دريد بن الصمة إلى يزيد بن عبد المدان في مال جاره:

    بني الديان ردوا مال جاري......... وأسرى في كبولهم الثقال
    وردوا السبي إن شئتم بمنٍ....... وإن شئتم مفاداة بمال
    فأولوني بني الديان خيراً.......... .. أقر لكم به أخرى الليالي


    فأطلق له يزيد الأسرى والسبايا ورد المال، وأقر دريد له بذلك الخير الذي أولاه إياه في قصيدة حمد وعرفان:

    مدحت يزيد بن عبد المدان......... فأكرم به من فتى ممتدح
    إذا المدح زان فتى معشرٍ.............. . فإن يزيد يزين المدح
    حللت به دون أصحابه........... . ..فأورى زنادي لما قدح

    3-السعي في السلم:

    وقد كره العرب اللجاج في الحروب، وسعى السفراء من حلماء القبائل وحكمائهم لإطفاء نار الفتن، ودفع الشر، وتلافي القرحة وإقرار الأمن، وارتفعت أصوات العقلاء تدفع الحرب المبيرة عن الأهل والعشيرة، ورأوا أن الظلم مطية الشر وسبيل التهلكة، فتنادوا إلى رفع الظلم، وإقرار الحق:

    يا قومنا لا تظلمونا حقنا............ والظلم أنكد غبُّه مشؤوم
    وسعى الحلماء السفراء ما وسعهم السعي لإحلال الأمن والطمأنينة بين القبائل , فتحدثوا عن الحرب ووصفوا بشاعتها، ودعوا إلى اجتنابها، ووصفوا مر ثمارها، وشؤم نتاجها:

    ولا تجنيا حربا تجر عليكما............... عواقبها يوماً من الشر أشأما
    فإن جناة الحرب للحين عرضة............ تفوقهم منها الذعاف المقشما
    حذار فلا تستنبئوها فإنها............ تغادر ذا الأنف الأشم مكشما


    وكان لحلمائهم وعقلائهم عظة وعبرة من تفاني القبائل في أيامها العظام، حيث استمر القتل وكثرت الدماء، فذكَّروا في سفاراتهم بما كان من أمر تلك القبائل لمَّا تسافهت أحلامها ودعوا إلى التعقل والحلم، وقد دعا دريد ابن الصمة في سفارته بين حيَّين من سُليم أن يتعظا بحروب ربيعة وغطفان، واليحابر:

    سليم بن منصور ألما تخبروا............. بما كان من حربي كليب وداحس
    وما كان من حرب اليحابر من دم........... . مباح وجدع مؤلم للمعاطس
    تسافهت الأحلام فيها جهالة............. وأضرم فيها كل رطب ويابس
    فكفوا خفافاً عن سفاهة رأيه.......... وصاحبه العباس قبل الدهارس

    وكان
    للعرب سفارات على الفرس والروم والأحباش ...

    خصائص السفارة:


    حوت السفارة الجاهلية مادة طريفة، ضمت باقة من عيون أشعار العرب، وجيد كلامها، فادخرت سحر بيانها، وغرائب فطنتها، وخلاصة حكمتها، وأبرزت دهاءها، وكياستها وحسن تخلصها، ولطف اعتذارها ، ومن جيد كلامهم وسحر بيانهم خطبة قبيصة بن نعيم ..وكان سفير بني أسد في وفد كبير إلى امرئ القيس الكندي الشاعر،
    بعد أن قتلت بنو أسد ملكها حجراً الكندي، وقد قال فيها لامرئ القيس: "إنك في المحل والقدر والمعرفة بتصرف الدهر وما تحدثه أيامه، وتنتقل به أحواله، بحيث لا تحتاج إلى تبصير واعظ ولا تذكرة مجرب..
    كان لحجر التاج والعمة فوق الجبين الكريم، وإخاء الحمد، وطيب الشيم ، لو كان يفدى هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا على مثله ببذل ذلك، ولفديناه منه، ولكن مضى به سبيل، لا يرجع أولاه على أخراه، ولا يلحق أقصاه أدناه..
    ومن ذلك حديث مرثد الخير بن ينكف في سعيه في الصلح بين سبيع وميثم حين تنازعا الشرف،
    وخيف أن يقع بين حييهما الشر،
    فقد قال:
    "إن التخبط وامتطاء الهجاج واستحقاب اللجاج سيقفكما على شفا هوة في توردها بوار الأصيلة، وانقطاع الوسيلة ، فتلافيا أمرا كما قبل انتكاث العهد، وانحلال العقد، وتشتت الألفة، وتباين السهمة.. فإنه إذا سفكت الدماء استحكمت الشحناء، وإذا استحكمت الشحناء تقضبت عرى الإبقاء وشمل البلاء.. ولا تؤرثوا نيران الأحقاد ففيهاً المتلفة المستأصلة، وعفوا بالحلم أبلاد الكلم..
    ولم يكن للعرب نصيب من الفلسفة، غير أن رجاحة عقولهم، وصحة منطقهم وتجربتهم الغنية في الحياة، جعلتهم ينطقون بالحكمة العملية ، ونجد بعضاً من هذه الحكمة في سفارة قس بن ساعدة على قيصر الروم
    ، فقد سأله القيصر: ما أفضل العقل؟
    قال: معرفة المرء بنفسه ، قال: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف المرء عند علمه ، قال: فما أفضل المروءة؟
    قال: استبقاء الرجل ماء وجهه، قال: فما أفضل المال؟ قال: ما قضيت به الحقوق ..

    كما نجد شيئاً من الحكمة في سفارة هوذة بن علي الحنفي على كسرى، فقد سأله: كم ولدك؟ قال: عشرة. قال: فأيهم أحب إليك؟
    قال: غائبهم حتى يقدم، وصغيرهم حتى يكبر، ومريضهم حتى يبرأ.

    ونجد في تلك السفارات مواقف ذكية ولفتات بارعة كيسة،
    وقد وفد حاجب بن زرارة التميمي على كسرى، ليأذن لهم بدخول العراق، فاستأذن عليه، فأوصل إليه كسرى أسيد العرب أنت؟ قال: لا. قال: فسيد مضر، قال: لا. قال: فسيد بني أبيك أنت؟ قال: لا. فلما أذن له، ودخل عليه، قال له: من أنت؟ قال سيد العرب.
    قال كسرى: أليس قد أوصلت إليك، أسيد العرب أنت؟ فقلت : لا، حتى اقتصرت بك على بني أبيك، فقلت : لا؟ قال حاجب: أيها الملك، لم أكن كذلك حتى دخلت عليك ، فلما دخلت عليك صرت سيد العرب ، قال كسرى: آه، املؤوا فاه دراً.

    وقد أحسنوا التخلص في المواقف العسيرة ,
    وقد تخلص ثابت أبو حسان الشاعر من قيد الأسر بعد أن عزّ الفداء بفطنته وذكائه في تفسير الفداء الذي طلب منه، بطريقة تنجيه من العار وتلحقه بأعدائه ، فقد أسرت مزينة ثابتاً، فعرض عليهم الفداء، فقالوا: لا نفاديك إلا بتيس – وكانت مزينة تسب بالتيوس – فأبى وأبوا ، وطال مكثه في الأسر، ثم أرسل إلى قومه: أن أعطوهم أخاهم، وخذوا أخاكم.
    ولم يغب عن بال الجاهليين ما في السياسة من أحابيل وأخاديع، فقد فقهوا معظم أبوابها وبرعوا براعة فائقة في الخديعة
    والمكيدة، فالسفير الجاهلي شديد الدهاء واسع الحيلة، لا يدع سبيلاً من سبل السياسة يؤدي إلى غايته إلا سلكه،
    وقد عرف أبو جهل كيف يحل قريشاً من حلف عقدوه، وندموا عليه، حين استفاد من غيرة الأنصار الشديدة على نسائها.
    وكانت الأوس قد سارت إلى مكة، وحالفت قريشاً على الخزرج، وأبو جهل غائب ،

    فلما قدم أنكر ذلك، وقال لقريش: ويل للأهل من النازل، إنهم لأهل عدد وجلد، ولقلما نزل قوم على قوم إلا أخرجوهم من بلادهم، وغلبوهم عليها، قالوا: فما المخرج من حلفهم؟ قال: أنا أكفيكموهم ، فقدم على الأوس، وقال: إنكم حالفتم قومي، وأنا غائب، فجئت لأحالفكم، وأذكر لكم من أمرنا ما تكونون بعده على رأس أمركم...

    إنا قوم تخرج إماؤنا إلى أسواقنا، ولا يزال الرجل منا يدرك الأمة فيضربها على عجيزتها، فإن طابت أنفسكم أن تفعل نساؤكم مثل ما تفعل نساؤنا حالفناكم، وإن كرهتم ذلك فردوا إلينا حلفنا ، وكان في سائر الأنصار غيرة شديدة، فقالوا: لا نقر بهذا، وردوا إلى قريش حلفها وساروا إلى بلادهم.

    ومن طريف أخاديع السفراء ومكائدهم ما روي عن زيد مناة وبكر بن وائل، وقد وفدا على بعض الملوك، وخاف زيد مناة أن يحظى بكر من الملوك بفائدة، يقل معها حظه، فقال له يا بكر : لا تلق الملك بثياب سفرك، ولكن تأهب للقائه، وادخل عليه في أحسن زينة ، ففعل بكر ذلك ، وسبقه زيد مناة إلى الملك، فسأله عن بكر، فقال: ذلك مشغول بمغازلة النساء والتصدي لهن، وقد حدث نفسه بالتعرض لبنت الملك، فغاظه ذلك، وأمسك عنه، ونمي الخبر إلى بكر، فدخل إلى الملك، فأخبره بما دار بينه وبين
    زيد مناة، وصدقه عنه، واعتذر إليه.
    فلما اجتمعا عند الملك من يوم غد، قال الملك لزيد مناة: ما تحب أن أفعل بك؟ قال: لا تفعل ببكر شيئاً إلا فعلت بي مثله، وكان بكر عور العين اليمنى قد أصابها ماء فذهب بها، فكان لا يعلم من رآه أنه أعور، فسأل الملك بكراً: ما تحب أن أفعل بك؟ قال: تفقأ عيني اليمنى، وتضعف لزيد مناة. فأمر بعينه العوراء ففقئت، وأمر بعيني زيد مناة ففقئتا، فخرج بكر أعور بحاله، وخرج زيد مناة وهو أعمى.

    وبعد:
    فقد كان للسفارة فضل كبير في حياة القبائل العربية قبل الإسلام حيث سار السفراء يعقدون الأحلاف، ويفتكُّون الأسرى، ويسعون في إقرار السلم والأمن على أرض العرب.
    واتسمت هذه السفارات بالكياسة والدهاء، وحسن التأتي للأمور، وصدق النظر في العواقب، وحضور الجوانب، وسعة الحيلة، وحسن التخلص

    .

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء سبتمبر 20, 2017 3:27 pm